بعد نجاح حركة "تمرد" المصرية في إنهاء حكم "الأخوان" ظهرت بعض الأصوات القليلة التي تسعى لتقليد التجربة في بعض دول الخليج وخاصة في وطننا الحبيب البحرين وفي الشقيقة الغالية الكويت.
لا يختلف إثنان بأن هناك فساد مستشر وتخبط مستمر في الكثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية في دولنا، وأن هذا الفساد هو سبب تذمر وغضب الشعوب التي ترى كل يوم أن دولاً كانت تعتبر في عداد الدول الفقيرة ولا تملك عُشر العشر مما تملكه دولنا في الخليج، قد تعدتنا بمراتب كبيرة، وأصبحت تنافس الدول المتقدمة من حيث التنمية البشرية، والتقدم الإقتصادي، وتطوّر البنية التحتية!
نعم يحق للشعوب التي تهدر ثروات أوطانها أن تغضب، ويحق لها أن تسخط، ويحق لها أن تخرج للتظاهر "السلمي" للمطالبة بإصلاح أحوال وأوضاع بلدانها، ولكن هل تقليد حركة "تمرد" المصرية هو الحل الصحيح بالنسبة لدولنا في الخليج؟؟
تمرّدَ الشعب المصري على "الأخوان المسلمين" -رغم وصول "الأخوان" للسلطة بوسائل ديمقراطية- وذلك لأنه وجد في "الأخوان" حزباً إقصائياً يرفض الآخر، حزباً يعتبر أنه وبفوز ممثله برئاسة الجمهورية أصبح فوق كل الأحزاب الأخرى، وأن مصر أصبحت مُلكاً شخصياً "للأخوان" دون بقية المصريين.
تمرّدَ الشعب المصري على النتائج "الشرعية" لصناديق الإقتراع لأنه وجد أن الديمقراطية التي كان يتمناها تمخضت عن "ديموكتاتورية"، وهي نظام مسخ وصورة مشوهة للديمقراطية، حيث يصل حزب ما للسلطة بأساليب ديمقراطية بينما يحمل أفكاراً دكتاتورية تحمل بين طياتها آليات قد تهدف حتى لتدمير الديمقراطية التي أوصلته للحكم!
نعم الشعوب العربية بحاجة لأن "تتمرد"، بل يجب عليها أن "تتمرد"!! ولكن عليها أن تتمرد على العنصرية والقبلية والطائفية التي تعشعش في عقلياتها. الشعوب العربية بحاجة لأن "تتمرد" على ما يسكن الصدور من بغض وكراهية للآخر، بحاجة لأن "تتمرد" على أفكار التكفير ومحاولة إقصاء المخالفين لها بالرأي أو المذهب، وقبل هذا كله فإن الشعوب بحاجة ماسة أيضاً لأن "تتمرد" على فكرة تقديس كل من يدعي التدين، وعليها أن ترفض الإنصياع الأعمى لفتاوى كل من يرتدي عباءة الدين، فكم من هذه الفتاوى كانت سبباً في تمزيق الأمة وضياع مستقبل شبابنا وأبنائنا!
الشعوب بحاجة "للتمرد" على كل ذلك حتى تنجح في تطبيق الديمقراطية، وحتى لا ينتج عن ديمقراطيتها دكتاتوراً و مسخاً شبيهاً بالمسخ "الأخواني" الذي نتج عن صناديق الإقتراع المصرية!
الدول المتحضرة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد أن "تمردت" على أفكارها القديمة وتخلصت من عقلياتها المتحجرة وعصبياتها، ولم تتطور إلا بعد أن إختفت وإنقرضت أحزابها العنصرية والطائفية، وأصبح الناخب المسيحي لا يجد أي حرج في أن ينتخب مرشح مسلم، والناخب الأبيض لا يجد حرجاً في إنتخاب مرشحاً أسوداً! فالناخب هناك عندما يفكر في إنتخاب شخص، فإنه يختار المرشح بناء على أفكار وأهداف وبرامج الحزب الذي ينتمي إليه هذا المرشح، ولا يختار المرشحين بناء على مللهم ونحلهم ومذاهبم!!
إذا وصلت شعوبنا في الخليج إلى هذه المرحلة من "التمرد" على الأفكار القديمة، وإستطاعات التخلص من دعوى الجاهلية، بحيث نجد أن البدو أصبحوا يصوتون لمرشح من الحضر، وأن القبلي ينتخب شخصاً من خارج القبيلة، وأن "عمر" أصبح مفتاحاً إنتخابياً ل"حيدر"، وأن "معصومة" لا حرج لديها من إنتخاب "عائشة"، إذا وصلنا لهذه المرحلة الرائعة من المدنية والتحضر وتقبّل الآخر، حينها فقد ستتطور أوطاننا وحينها فقط سنكون في مصاف الدول المتقدمة، بل وأفضل منها بكثير.
والله من وراء القصد،،،
زياد بن سند