01 مارس 2022

الأسباب الخفية والدروس .. وراء أزمة أوروبا والروس

من خلال متابعتي للمسلسل التركي التاريخي "عاصمة عبد الحميد"، وجدت أن ما يجري اليوم من صراعات في العديد من مناطق العالم ما هو إلا تكرار لصراعات وأحداث سياسية جرت في الماضيوإن كانت نتائجها مختلفة أحياناً، إلا أنها تتشابه كثيراً من حيث أسباب حدوثها.


 فحين قرر السلطان "عبدالحميد الثانيمد سكك حديدية تربط بين اسطنبول والحجاز وغيرها من المدن والولايات العربية، قامت قيامة بريطانيا وفرنسا، واتخذت مواقف عدائية تجاه هذا المشروع، وحاولت إفشاله عدة مرات لأنه يتعارض مع مصالحهما في المنطقة، واستمرت تلك المحاولات إلى أن تفككت الدولة العثمانية برمتها في خضم المؤامرات الخارجية والاضطرابات الداخلية، وأصبح مشروع سكك الحديد بلا قطارات تسير عليها، ومحطات الركاب بلا مسافرين يقفون عليها.


اليوم ترى واشنطن كذلك بأن خط أنابيب الغاز الطبيعي الجديد والذي يربط بين روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق والمسمى "نورد ستريم 2 يمثل تهديداً لاقتصادها وأولويتها في أوروباولذا حاولت تخريبالمشروع منذ البداية وفي كل مرحلة من مراحله، واستهدفت خط الأنابيب بتشريع عقوبات في الأعوام2017 و2019 و2020.


 إضافة إلى ذلك ففي يناير 2019 أرسل السفير الأمريكي في ألمانيا، رسائل إلى الشركات المشاركة في بناء "نورد ستريم 2لحثها على التوقف عن العمل في المشروع وتهديدها باحتمال فرض عقوباتوفي يناير 2021، فرضت إدارة "ترامبعقوبات على بارجة مد أنابيب استخدمتها شركة "غازبرومالروسية لبناء "نورد ستريم 2"!


 لقد عارضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوكرانيا والعديد من دول الاتحاد الأوروبي خط أنابيب الغاز منذ الإعلان عنه في عام 2015، وظلت واشنطن تكرر التحذير من أن هذا المشروع سيزيد من نفوذ موسكو في أوروبا!


وعلى الرغم من تلك المحاولات إلا أن مشروع "نورد ستريم 2استمر في المضى قدماً، إلى أن أصبح جاهزاً للعمل والانطلاق، ولا ينقصه سوى توقيع الألمان على الشهادة النهائية للمشروع


عندئذٍ، ستبدأ عمليات ضخ الغاز، وستشهد روسيا قفزة اقتصادية ضخمة من عائدات بيع الغازخاصةً إذاعلمنا أن "نورد ستريم 2سيضخ حوالي 55 مليار متر مكعب من الغاز سنوياًأي أكثر من 50٪ منالاستهلاك السنوي لألمانيا، ويمكن أن يحقق ما يصل إلى 1مليار دولار سنوياً لشركة "غازبرومالشركة الروسية المملوكة للدولة بسعر الغاز في 2021.


ولقد صرح الرئيس الأمريكي "جو بايدنوبشكل قاطع خلال كلمته يوم الإثنين الماضي في المؤتمرالصحفي المشترك مع المستشار الألماني "أولاف شولتزفي البيت الأبيض:

"إذا قامت روسيا بالغزو فلن يكون هناك نورد ستريم2، نحن سننهي ذلك!"


إضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد أن تعتمد ألمانيا على الغاز الروسيلأن التجارة بين البلدين تبني الثقة وتقوي العلاقات الدبلوماسية، وستخفف أو ترفع الحواجز والقوانين التجارية، وستزيد من رحلات السفر التجارية والسياحية بين البلدين، وستؤدي في نهاية المطاف إلى تطور استراتيجية أمنية جديدة بين البلدين


فعندما تصبح ألمانيا صديقةً وشريكةً تجاريةً لروسيا، لن تكون هناك حاجة لقواعد عسكرية أمريكية، ولاحاجة لأسلحة وأنظمة صواريخ أمريكية باهظة الثمن، بل ولربما لا حاجة لحلف شمال الأطلسي..!


 ناهيك إلى أنه لن تكون هناك حاجة أيضاً إلى التعامل التجاري بالدولار الأمريكي بين الدولتين، حيث يمكن إجراء المعاملات بين شركاء الأعمال بعملاتهم الخاصة (اليورو مقابل الغازمما يؤدي إلى انخفاض قيمة الدولار وتحول كبير في موازين القوى الاقتصادية.


من هنا نجد أن "نورد ستريم 2ليس مجرد خط أنابيب، إنه بوابة الروس نحو المستقبل..! 


مستقبل تتقارب فيه أوروبا وآسيا معًا في منطقة تجارة حرة ضخمة تزيد من قوتهما التجارية والاقتصادية المتبادلة، مما سيؤدي إلى نهاية النظام العالمي "أحادي القطبالذي تفردت به الولايات المتحدة بعد سقوط الإتحاد السوفيتي، على مدى أكثر من 30 عاماً الماضية.


 لذلك فلا تستغرب مطلقاً إن كانت واشنطن قد وضعت طُعماً للروس في أوكرانيا، ثم بدأت بشن الحملات الإعلامية، وتشغيل ماكينة الدعاية الأمريكية بطاقتها القصوى من أجل حشد الدعم وتحريض أورباوالمجتمع الدولي ضد روسياوبالطبع لن تتواني ولن تتردد تلك الماكينات في استخدام بروباغاندا الفظائع على حساب الحقيقة، للتركيز خلال الأيام القادمة على أخبار جرائم الجيش الروسي في أوكرانيا مع إضافة بعض البهارات عليها، بغض النظر عن مقدار صحة تلك الأخبار من عدمه.


وفي الوقت نفسه لا تستغرب أيضاً عندما يحشد الرئيس الروسي"بوتن" - الرئيس السابق للـ "كيجي بي" -  قواه العسكرية ويضع ترسانته النووية على أهبة الإستعداد، ويقوم بغزو أوكرانيا! "فبوتنيريد من خلال هذا الغزو "تحديثنظرة العالم تجاه روسيا كقوة عالمية عظمى، واستعادة دورها المفقود منذ ثلاثة عقود، ويريد أن تعود "موسكولتفرض نفسها كقوة مؤثرة على الساحة العالمية!


ونستحضر هنا مقولة "بريجنسكي" - مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس "جيمي كارتر" - في عام 1994:

"إذا سيطرت روسيا على أوكرانيا، فيمكنها أن تعيد بناء إمبراطوريتها من جديد"!


 أما الأوربيون فهم في وضع لا يحسد عليه، لأنهم يعرفون تماماً معنى الحرب!ولا يريدون خوض حرب جديدة بعد حربين عالميتين دمرتا مدنهم ودولهم، ويتخوفون من التداعيات الكارثية اقتصادياً وعسكرياً التي ستحل عليهم في حال نشوبهالذا تجد التباين والتشتت والتردد على مستوى القرار السياسي خاصة من قبل سيدتا أوربا "ألمانيا وفرنسا".


لا شك بأن الأيام القادمة حبلى بالأحداث والمفاجآت التي لا يعلمها إلا الله!


 أدعو المولى القدير أن يحفظكم فوق كل أرض وتحت كل سماء، وأن يحميكم من كل داء، ويبعد عنكم عن كل ابتلاء وأن يجعلكم دائماً من السعداء، اللهم آمين يا رب العالمين 🤲🏻

أخوكم/ زياد بن سند

@zeyadbinsanad

20 مايو 2015

ناصر … وشاڤيز ..

أحرار العالم في كل مكان أحبّوا الزعيم العربي العظيم "عبدالناصر" لا لأنه عربي، أو لأنه مصري الجنسية، ولكنهم أحبوه لمواقفه العظيمة والشجاعة تجاه قوى الإستعمار.
 
لم يكن كل من أحب وأيّد جمال عبدالناصر "ناصرياً"، ولا يصح أن نُطلق على كل من يعشق الراحل جمال بأنه "مصري" الهوى أو تابعاً و"عبداً" لنظام الضباط الأحرار!
 
وكذلك هو الحال مع الزعيم الفنزويلي "هوجو تشافيز"، فهؤلاء الذين أحبوه وأيَّدوه ورفعوا صوره لم يحبوه لأنه "لاتيني"، وتأييدهم له لا يعني أنهم أصبحوا أعضاءً في حزبه "الإشتراكي الموحد"، ولا يعني كذلك أنهم أصبحوا "تشافيزيين" أو "إشتراكيبن"، ولا يجوز أبداً أن نُطلق عليهم لقب عبيد ڤنزويلا!

الشعوب التي أحبت "تشافيز" أحبته لمواقفه العظيمة تجاه القضايا التي تلامس همومهم، خاصة مواقفه تجاه تلك القضايا التي خذلهم العالم فيها. 

الشعوب الحرة أحبت "ناصر" و "تشاڤيز" لأنهما كانا رمزين لتحدي القوى العظمى في العالم، ولأنهما رفضا حتى الرمق الأخير من عمرهما الخضوع لتلك القوى رغم الحصار والضغوط التي مورست عليهما وعلى بلديهما. 

الأمثلة كثيرة على أن الشعوب الحرة تعشق كل زعيم حر يتبنى مواقف شجاعة وعظيمة ضد الغطرسة الغربية والإستكبار العالمي. وخاصة تلك الشعوب المتعطشة للتخلص من ذُل هيمنة الدول العظمى عليها وعلى مقدرات بلدانها!

ولذا من الطبيعي جداً أن تجد أفراد تلك الشعوب يؤيدون أي رئيس أو زعيم يدعم مطالبهم ويؤيد حقوقهم، بل من الطبيعي أيضاً أن تجدهم يرفعون صوره ويهتفون بإسمه، حتى ولو اختلف عنهم بجنسيته أو دينه ومذهبه أو الفكر والحزب الذي ينتمي إليه. 

وبالتالي لا يصح أيضاً أن نتهم أبناء تلك الشعوب بالولاء لذلك الرئيس أوالزعيم، ولا يصح أن ندعّي بأنهم أصبحوا ينتمون لمذهبه، أو عبيداً لحزبه أو بلده!

والله من وراء القصد...

زياد بن سند

19 يوليو 2013

تمردوا … ولكن!

بعد نجاح حركة "تمرد" المصرية في إنهاء حكم "الأخوان" ظهرت بعض الأصوات القليلة التي تسعى لتقليد التجربة في بعض دول الخليج وخاصة في وطننا الحبيب البحرين وفي الشقيقة الغالية الكويت. 

لا يختلف إثنان بأن هناك فساد مستشر وتخبط مستمر في الكثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية في دولنا، وأن هذا الفساد هو سبب تذمر وغضب الشعوب التي ترى كل يوم أن دولاً كانت تعتبر في عداد الدول الفقيرة ولا تملك عُشر العشر مما تملكه دولنا في الخليج، قد تعدتنا بمراتب كبيرة، وأصبحت تنافس الدول المتقدمة من حيث التنمية البشرية، والتقدم الإقتصادي، وتطوّر البنية التحتية!

نعم يحق للشعوب التي تهدر ثروات أوطانها أن تغضب، ويحق لها أن تسخط، ويحق لها أن تخرج للتظاهر "السلمي" للمطالبة بإصلاح أحوال وأوضاع بلدانها، ولكن هل تقليد حركة "تمرد" المصرية هو الحل الصحيح بالنسبة لدولنا في الخليج؟؟

تمرّدَ الشعب المصري على "الأخوان المسلمين" -رغم وصول "الأخوان" للسلطة بوسائل ديمقراطية- وذلك لأنه وجد في "الأخوان" حزباً إقصائياً يرفض الآخر، حزباً يعتبر أنه وبفوز ممثله برئاسة الجمهورية أصبح فوق كل الأحزاب الأخرى، وأن مصر أصبحت مُلكاً شخصياً "للأخوان" دون بقية المصريين.

تمرّدَ الشعب المصري على النتائج "الشرعية" لصناديق الإقتراع لأنه وجد أن الديمقراطية التي كان يتمناها تمخضت عن "ديموكتاتورية"، وهي نظام مسخ وصورة مشوهة للديمقراطية، حيث يصل حزب ما للسلطة بأساليب ديمقراطية بينما يحمل أفكاراً دكتاتورية تحمل بين طياتها آليات قد تهدف حتى لتدمير الديمقراطية التي أوصلته للحكم!

نعم الشعوب العربية بحاجة لأن "تتمرد"، بل يجب عليها أن "تتمرد"!! ولكن عليها أن تتمرد على العنصرية والقبلية والطائفية التي تعشعش في عقلياتها. الشعوب العربية بحاجة لأن "تتمرد" على ما يسكن الصدور من بغض وكراهية للآخر، بحاجة لأن "تتمرد" على أفكار التكفير ومحاولة إقصاء المخالفين لها بالرأي أو المذهب، وقبل هذا كله فإن الشعوب بحاجة ماسة أيضاً لأن "تتمرد" على فكرة تقديس كل من يدعي التدين، وعليها أن ترفض الإنصياع الأعمى لفتاوى كل من يرتدي عباءة الدين، فكم من هذه الفتاوى كانت سبباً في تمزيق الأمة وضياع مستقبل شبابنا وأبنائنا!

الشعوب بحاجة "للتمرد" على كل ذلك حتى تنجح في تطبيق الديمقراطية، وحتى لا ينتج عن ديمقراطيتها دكتاتوراً و مسخاً شبيهاً بالمسخ "الأخواني" الذي نتج عن صناديق الإقتراع المصرية! 

الدول المتحضرة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد أن "تمردت" على أفكارها القديمة وتخلصت من عقلياتها المتحجرة وعصبياتها، ولم تتطور إلا بعد أن إختفت وإنقرضت أحزابها العنصرية والطائفية، وأصبح الناخب المسيحي لا يجد أي حرج في أن ينتخب مرشح مسلم، والناخب الأبيض لا يجد حرجاً في إنتخاب مرشحاً أسوداً! فالناخب هناك عندما يفكر في إنتخاب شخص، فإنه يختار المرشح بناء على أفكار وأهداف وبرامج الحزب الذي ينتمي إليه هذا المرشح، ولا يختار المرشحين بناء على مللهم ونحلهم ومذاهبم!!

إذا وصلت شعوبنا في الخليج إلى هذه المرحلة من "التمرد" على الأفكار القديمة، وإستطاعات التخلص من دعوى الجاهلية، بحيث نجد أن البدو أصبحوا يصوتون لمرشح من الحضر، وأن القبلي ينتخب شخصاً من خارج القبيلة، وأن "عمر" أصبح مفتاحاً إنتخابياً ل"حيدر"، وأن "معصومة" لا حرج لديها من إنتخاب "عائشة"، إذا وصلنا لهذه المرحلة الرائعة من المدنية والتحضر وتقبّل الآخر، حينها فقد ستتطور أوطاننا وحينها فقط سنكون في مصاف الدول المتقدمة، بل وأفضل منها بكثير. 

والله من وراء القصد،،،

زياد بن سند