من خلال متابعتي للمسلسل التركي التاريخي "عاصمة عبد الحميد"، وجدت أن ما يجري اليوم من صراعات في العديد من مناطق العالم ما هو إلا تكرار لصراعات وأحداث سياسية جرت في الماضي. وإن كانت نتائجها مختلفة أحياناً، إلا أنها تتشابه كثيراً من حيث أسباب حدوثها.
فحين قرر السلطان "عبدالحميد الثاني" مد سكك حديدية تربط بين اسطنبول والحجاز وغيرها من المدن والولايات العربية، قامت قيامة بريطانيا وفرنسا، واتخذت مواقف عدائية تجاه هذا المشروع، وحاولت إفشاله عدة مرات لأنه يتعارض مع مصالحهما في المنطقة، واستمرت تلك المحاولات إلى أن تفككت الدولة العثمانية برمتها في خضم المؤامرات الخارجية والاضطرابات الداخلية، وأصبح مشروع سكك الحديد بلا قطارات تسير عليها، ومحطات الركاب بلا مسافرين يقفون عليها.
اليوم ترى واشنطن كذلك بأن خط أنابيب الغاز الطبيعي الجديد والذي يربط بين روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق والمسمى "نورد ستريم 2" يمثل تهديداً لاقتصادها وأولويتها في أوروبا. ولذا حاولت تخريبالمشروع منذ البداية وفي كل مرحلة من مراحله، واستهدفت خط الأنابيب بتشريع عقوبات في الأعوام2017 و2019 و2020.
إضافة إلى ذلك ففي يناير 2019 أرسل السفير الأمريكي في ألمانيا، رسائل إلى الشركات المشاركة في بناء "نورد ستريم 2" لحثها على التوقف عن العمل في المشروع وتهديدها باحتمال فرض عقوبات! وفي يناير 2021، فرضت إدارة "ترامب" عقوبات على بارجة مد أنابيب استخدمتها شركة "غازبروم" الروسية لبناء "نورد ستريم 2"!
لقد عارضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوكرانيا والعديد من دول الاتحاد الأوروبي خط أنابيب الغاز منذ الإعلان عنه في عام 2015، وظلت واشنطن تكرر التحذير من أن هذا المشروع سيزيد من نفوذ موسكو في أوروبا!
وعلى الرغم من تلك المحاولات إلا أن مشروع "نورد ستريم 2" استمر في المضى قدماً، إلى أن أصبح جاهزاً للعمل والانطلاق، ولا ينقصه سوى توقيع الألمان على الشهادة النهائية للمشروع.
عندئذٍ، ستبدأ عمليات ضخ الغاز، وستشهد روسيا قفزة اقتصادية ضخمة من عائدات بيع الغاز. خاصةً إذاعلمنا أن "نورد ستريم 2" سيضخ حوالي 55 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً. أي أكثر من 50٪ منالاستهلاك السنوي لألمانيا، ويمكن أن يحقق ما يصل إلى 15 مليار دولار سنوياً لشركة "غازبروم" الشركة الروسية المملوكة للدولة بسعر الغاز في 2021.
ولقد صرح الرئيس الأمريكي "جو بايدن" وبشكل قاطع خلال كلمته يوم الإثنين الماضي في المؤتمرالصحفي المشترك مع المستشار الألماني "أولاف شولتز" في البيت الأبيض:
"إذا قامت روسيا بالغزو فلن يكون هناك نورد ستريم2، نحن سننهي ذلك!"
إضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد أن تعتمد ألمانيا على الغاز الروسي. لأن التجارة بين البلدين تبني الثقة وتقوي العلاقات الدبلوماسية، وستخفف أو ترفع الحواجز والقوانين التجارية، وستزيد من رحلات السفر التجارية والسياحية بين البلدين، وستؤدي في نهاية المطاف إلى تطور استراتيجية أمنية جديدة بين البلدين.
فعندما تصبح ألمانيا صديقةً وشريكةً تجاريةً لروسيا، لن تكون هناك حاجة لقواعد عسكرية أمريكية، ولاحاجة لأسلحة وأنظمة صواريخ أمريكية باهظة الثمن، بل ولربما لا حاجة لحلف شمال الأطلسي..!
ناهيك إلى أنه لن تكون هناك حاجة أيضاً إلى التعامل التجاري بالدولار الأمريكي بين الدولتين، حيث يمكن إجراء المعاملات بين شركاء الأعمال بعملاتهم الخاصة (اليورو مقابل الغاز) مما يؤدي إلى انخفاض قيمة الدولار وتحول كبير في موازين القوى الاقتصادية.
من هنا نجد أن "نورد ستريم 2" ليس مجرد خط أنابيب، إنه بوابة الروس نحو المستقبل..!
مستقبل تتقارب فيه أوروبا وآسيا معًا في منطقة تجارة حرة ضخمة تزيد من قوتهما التجارية والاقتصادية المتبادلة، مما سيؤدي إلى نهاية النظام العالمي "أحادي القطب" الذي تفردت به الولايات المتحدة بعد سقوط الإتحاد السوفيتي، على مدى أكثر من 30 عاماً الماضية.
لذلك فلا تستغرب مطلقاً إن كانت واشنطن قد وضعت طُعماً للروس في أوكرانيا، ثم بدأت بشن الحملات الإعلامية، وتشغيل ماكينة الدعاية الأمريكية بطاقتها القصوى من أجل حشد الدعم وتحريض أورباوالمجتمع الدولي ضد روسيا. وبالطبع لن تتواني ولن تتردد تلك الماكينات في استخدام بروباغاندا الفظائع على حساب الحقيقة، للتركيز خلال الأيام القادمة على أخبار جرائم الجيش الروسي في أوكرانيا مع إضافة بعض البهارات عليها، بغض النظر عن مقدار صحة تلك الأخبار من عدمه.
وفي الوقت نفسه لا تستغرب أيضاً عندما يحشد الرئيس الروسي"بوتن" - الرئيس السابق للـ "كيجي بي" - قواه العسكرية ويضع ترسانته النووية على أهبة الإستعداد، ويقوم بغزو أوكرانيا! "فبوتن" يريد من خلال هذا الغزو "تحديث" نظرة العالم تجاه روسيا كقوة عالمية عظمى، واستعادة دورها المفقود منذ ثلاثة عقود، ويريد أن تعود "موسكو" لتفرض نفسها كقوة مؤثرة على الساحة العالمية!
ونستحضر هنا مقولة "بريجنسكي" - مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس "جيمي كارتر" - في عام 1994:
"إذا سيطرت روسيا على أوكرانيا، فيمكنها أن تعيد بناء إمبراطوريتها من جديد"!
أما الأوربيون فهم في وضع لا يحسد عليه، لأنهم يعرفون تماماً معنى الحرب!ولا يريدون خوض حرب جديدة بعد حربين عالميتين دمرتا مدنهم ودولهم، ويتخوفون من التداعيات الكارثية اقتصادياً وعسكرياً التي ستحل عليهم في حال نشوبها. لذا تجد التباين والتشتت والتردد على مستوى القرار السياسي خاصة من قبل سيدتا أوربا "ألمانيا وفرنسا".
لا شك بأن الأيام القادمة حبلى بالأحداث والمفاجآت التي لا يعلمها إلا الله!
أدعو المولى القدير أن يحفظكم فوق كل أرض وتحت كل سماء، وأن يحميكم من كل داء، ويبعد عنكم عن كل ابتلاء وأن يجعلكم دائماً من السعداء، اللهم آمين يا رب العالمين 🤲🏻
أخوكم/ زياد بن سند
@zeyadbinsanad
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق