19 يوليو 2013

تمردوا … ولكن!

بعد نجاح حركة "تمرد" المصرية في إنهاء حكم "الأخوان" ظهرت بعض الأصوات القليلة التي تسعى لتقليد التجربة في بعض دول الخليج وخاصة في وطننا الحبيب البحرين وفي الشقيقة الغالية الكويت. 

لا يختلف إثنان بأن هناك فساد مستشر وتخبط مستمر في الكثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية في دولنا، وأن هذا الفساد هو سبب تذمر وغضب الشعوب التي ترى كل يوم أن دولاً كانت تعتبر في عداد الدول الفقيرة ولا تملك عُشر العشر مما تملكه دولنا في الخليج، قد تعدتنا بمراتب كبيرة، وأصبحت تنافس الدول المتقدمة من حيث التنمية البشرية، والتقدم الإقتصادي، وتطوّر البنية التحتية!

نعم يحق للشعوب التي تهدر ثروات أوطانها أن تغضب، ويحق لها أن تسخط، ويحق لها أن تخرج للتظاهر "السلمي" للمطالبة بإصلاح أحوال وأوضاع بلدانها، ولكن هل تقليد حركة "تمرد" المصرية هو الحل الصحيح بالنسبة لدولنا في الخليج؟؟

تمرّدَ الشعب المصري على "الأخوان المسلمين" -رغم وصول "الأخوان" للسلطة بوسائل ديمقراطية- وذلك لأنه وجد في "الأخوان" حزباً إقصائياً يرفض الآخر، حزباً يعتبر أنه وبفوز ممثله برئاسة الجمهورية أصبح فوق كل الأحزاب الأخرى، وأن مصر أصبحت مُلكاً شخصياً "للأخوان" دون بقية المصريين.

تمرّدَ الشعب المصري على النتائج "الشرعية" لصناديق الإقتراع لأنه وجد أن الديمقراطية التي كان يتمناها تمخضت عن "ديموكتاتورية"، وهي نظام مسخ وصورة مشوهة للديمقراطية، حيث يصل حزب ما للسلطة بأساليب ديمقراطية بينما يحمل أفكاراً دكتاتورية تحمل بين طياتها آليات قد تهدف حتى لتدمير الديمقراطية التي أوصلته للحكم!

نعم الشعوب العربية بحاجة لأن "تتمرد"، بل يجب عليها أن "تتمرد"!! ولكن عليها أن تتمرد على العنصرية والقبلية والطائفية التي تعشعش في عقلياتها. الشعوب العربية بحاجة لأن "تتمرد" على ما يسكن الصدور من بغض وكراهية للآخر، بحاجة لأن "تتمرد" على أفكار التكفير ومحاولة إقصاء المخالفين لها بالرأي أو المذهب، وقبل هذا كله فإن الشعوب بحاجة ماسة أيضاً لأن "تتمرد" على فكرة تقديس كل من يدعي التدين، وعليها أن ترفض الإنصياع الأعمى لفتاوى كل من يرتدي عباءة الدين، فكم من هذه الفتاوى كانت سبباً في تمزيق الأمة وضياع مستقبل شبابنا وأبنائنا!

الشعوب بحاجة "للتمرد" على كل ذلك حتى تنجح في تطبيق الديمقراطية، وحتى لا ينتج عن ديمقراطيتها دكتاتوراً و مسخاً شبيهاً بالمسخ "الأخواني" الذي نتج عن صناديق الإقتراع المصرية! 

الدول المتحضرة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد أن "تمردت" على أفكارها القديمة وتخلصت من عقلياتها المتحجرة وعصبياتها، ولم تتطور إلا بعد أن إختفت وإنقرضت أحزابها العنصرية والطائفية، وأصبح الناخب المسيحي لا يجد أي حرج في أن ينتخب مرشح مسلم، والناخب الأبيض لا يجد حرجاً في إنتخاب مرشحاً أسوداً! فالناخب هناك عندما يفكر في إنتخاب شخص، فإنه يختار المرشح بناء على أفكار وأهداف وبرامج الحزب الذي ينتمي إليه هذا المرشح، ولا يختار المرشحين بناء على مللهم ونحلهم ومذاهبم!!

إذا وصلت شعوبنا في الخليج إلى هذه المرحلة من "التمرد" على الأفكار القديمة، وإستطاعات التخلص من دعوى الجاهلية، بحيث نجد أن البدو أصبحوا يصوتون لمرشح من الحضر، وأن القبلي ينتخب شخصاً من خارج القبيلة، وأن "عمر" أصبح مفتاحاً إنتخابياً ل"حيدر"، وأن "معصومة" لا حرج لديها من إنتخاب "عائشة"، إذا وصلنا لهذه المرحلة الرائعة من المدنية والتحضر وتقبّل الآخر، حينها فقد ستتطور أوطاننا وحينها فقط سنكون في مصاف الدول المتقدمة، بل وأفضل منها بكثير. 

والله من وراء القصد،،،

زياد بن سند

هناك 17 تعليقًا:

  1. أحييك على هذه السطور الراقية في فكرها ومضمونها .. لك كل التقدير.

    ردحذف
  2. ليتهم يفهمون ما سطرته من كلمات رائعه تنير عقول مسيرة ملوثة بأفكار مدمرة لا معمرة ،،، سلمت يمينك دكتور ،،، تحياتي

    ردحذف
  3. كم انت رائع ي سيدي بماتخطه يداك وبماتحمله من فكر لو ساد لعم في البلدان التطور والنماء،،
    اقف اجلالاً واكراماً احييك يادكتور على كل حرف استطعت ان تصيغه بحنكه وربط رائع لجميع مجريات الامور في البلدان العربيه لتصل الى السبب الرئيسي في تدهور وتأخر بلداننا العربيه ليت هناك عقول تستفيد مما تكتب،،،، ولكن حتما سيأتي يوما وتشق حروفك طريق النور وتكون سبب في وعيهم وجلاء عنصريتهم دمت بهذا الرقي وسلمت اناملك 🌹🌹

    ردحذف
  4. كثير من الشيعا يصوتون لسنا وكثير من الحضر يصوتون للبدو لكن المشكلة لاتتركز على من يصوت لمن المشكلة بحكومة تدعي الاصلاح بحكومة تسرق المال العام.
    وحبس من يخافهم برأي نريد دمقراطية حقيقية

    ردحذف
  5. عندما تقفل كل الأبواب وتسد الآذان عن سمع مايجب أن يسمع وتكتفي تلك الآذان بسمع نفسها فقط وإلغاء الجميع .. يكون لا بد من التمرد .. كونه محاولة اصلاح .. شكرا لكلماتك واستغرب رد الصحفي الذي مارس كل ما أمكنه لإلغاء وعقاب الآخر ..

    ردحذف
  6. أشكرك على كتاباتك التي تريد المصلح للوطن كل الوطن وليس اقصاء طرف على طرف ، وهو ما تمارسه السلطة تحت عنوان عريض فضفاض يسمى بالديموقراطية وهو بعيدا كل البعد عن االمساواة بين كل المواطنين ، لو كانت السلطة تريد مصلحة الوطن والمواطن لما اهانة كل اطياف المجتمع والذين يمثلون القواعد الاساسية من طفل الى رجل طاعن في السن ومن اقل مهنة الى ارقى مهنة، نحمد الله ان الشعب من الطائفة الشيعية بالخصوص كانت ولا زالت واعيه ومدركه ان مصلحة الوطن هي اهم شيء لانتهاجها الخط المحمدي واستماعها للعقل وليس الغضب المودي لهلاك البلد، ( لو كنا نفعل بالحكومة ومن يساندها بالعنجهية والغجرية التي يتعاملون بها ضدنا، لحرقنا الارض ومن عليها، ) مع كل سلميتنا وصبرنا يُظن باننا نخاف، ،، لا والله ولكن كلمة قائدنا الشيخ عيسى الوطن مشترك بينتا ونحن في سفينة واحدة،
    ومولانا الامام الصادق ، قال كونوا زينا لنا، حتى يُقال هكذا علمهم جعفر الصادق،
    شكرا لك على المقال

    ردحذف
  7. تسلم على ما خطته يداك وما هو في كل عقلية منصف .
    المشكلة يا دكتور بأننا -كشعوب عربية مسلمة وغيرها - لم نخض التجربة الحقيقية كي نعبر جسر الطائفية للمواطنة .
    ولكن إن شاء الله الشعوب العربية عامة والخليجية خاصة تسير في المسار الصحيح .

    ردحذف
  8. ليس من باب التحيز لاكن من ١٤ فبراير في الدوار وفي المسيرات دائماً نهتف للوحده واخوان سنة وشيعة وكنا نهتف بأسم البفلاسة والان صور المناضل ابراهيم شريف لا تفارق المسيرات وعلمائنا دائماً ما يدعون للوحدة ولكن الواقع يقول المشكل ليس في السنة المشكلة في من يدعون علماء السنه واكثرهم موالي للنظام ويطبق ما يملى علية للطأفنة والفرقة ..

    ردحذف
  9. دكتور اول واد رد على مقالك فيصل الشيخ هو من كان ينادي من على التلفاز على الاعتقال والزج بلااطباء في الزج بدون ذنب والااعبين لانهم عبرو عن رائيهم

    ردحذف
  10. I really love your inspiring & wise ideas.

    Many regards,
    Ali Zaineldeen.

    ردحذف
  11. شكرا على المقال أخي زياد..كما عودتنا من العقلانية والعمق في التحليل... كما تعلم حاليا تمر البحرين بانقسامات عميقة حول الرؤى المستقبلية وباحتقانات طائفية وتشظي مجتمعي عميق، ما أنعكس سلبا على مفاصل حيوية وهامة من بنية الدولة المدنية الحديثة التي تمثلها المملكة وتأثر معظم مشاريع رؤية البحرين 2030. هناك من يريد تأزيم الوضع ويستفيد منه، وفي ظل المراوحة الحالية للاوضاع لديه الفرصة لعمل ذلك. أعتقد أن هناك ضرورة قصوى للقيام وبشكل عاجل بإجراء مناقشة وطنية صريحة ومفتوحة تهدف إلى تحشيد طاقات المجتمع البحريني بجميع أطيافه نحو أهداف وطنية جامعة وموحدة وذلك بعيدا عن السياسة والنزاعات، وتتعلق بالتنميةفي البحرين واضعة نصب أعينها المصلحة العليا للوطن...لقد خسرت البحرين في السنوات الثلاث الماضية الكثير بعد ان خطت خطوات سريعة وواسعة من الالتفاف على المشروع الوطني، وذلك بسبب التعنت من قبل جميع الأطراف تحت عقلية "لو تنازلت بالقليل سيكون ذلك تمهيدا للكثير". هناك ميثاق أتفق عليه غالبية شعب البحرين فلنرجع إليه ولنضع خارطة طريق للوصول إلى البحرين التي نريد...وفقك الله وكثر من امثالك

    ردحذف
  12. حركة تمرد المصرية لم يكتب لها النجاح لولا دعم الجيش وبعض دول الخليج والازمة الاقتصادية المفتعله من بقايا مخلفات النظام السابق لتحريض صعاليك تشبة الكلاب الضالة مضلله فقدة الادب والقيم الانسانية والاخلاق التربوية نشأة في بيئة شيطانية لم تفهم معنى الدين والشرائع السماوية والاسلام برىء من جماعات تطعن في الاسلام برآءة الذيب من دم يوسف

    ردحذف
  13. مقال وله اروع منه دكتور , تسلم على هذا المقال والى الامام

    ردحذف
  14. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  15. أشكرك على هذا المقال الرائع والرؤية الثاقبة في تحليل شخصية المواطن الخليجي والمدعو العميري الخالدي الذي علق قبل قليل خير مثال في من يراد بهم ان يصقلوا كي تخطوا بلداننا نحو الديمقراطية الحقة والا فما فائدة الكلام لهم الا كأن تسكب الزيت الثمين على رمال الصحراء الناعمة فلا ترى له اثر بعد ساعات قليلة

    ردحذف
  16. http://www.youtube.com/watch?v=F-_uPkZ_9lQ&feature=youtu.be

    ردحذف
  17. فكرة وجيهة ولكن اسمحلي يا دكتور أن اسجل كلمة حتي لا يظن الناس أن تغييراً مستحقا لا يمكن أن يتوفر الا بتغيير الشعب عن بكرة أبيه استحق العدل والديموقراطيه لأنني إنسان المسار الديموقراطي بكبوات فهل هذا ينفي أنه تجربة تصقلها الممارسة وتصحح ذاتها؟؟ أفكار الناس وتوجهاتهم تتأثر حتما بالمناخ الديموقراطي فيصبحون أكثر وعيا وتتغير قيمهم السلبية يا دكتور أن نخطيء ونصيب خيرا لنا من قضاء العمر في انتظار ما لا يجييء دمتم بود وأرجو ألا أكون ضيفا ثقيلا

    ردحذف